أنجلينا أم هيفاء أم الاستغفال؟

هيفاء وهبي وأنجلينا جولي

في مقابلة مع إحدى الصحافيات، وعبر برنامج «طال السهر»، الذي يُعرض على قناة «المستقبل» الفضائية، تَوجَّـه المذيع ميشيل قزي إلى ضيفته الصحافية، التي كانت ترافق صديقتها الفنانة ميسم نحاس، في اللقاء، بالسؤال التالي: هل هناك محاذير في تناول بعض الشخصيات الفنية بالنقد السلبي؟ أي هل من الممكن أن يتجنب الصحافي التطرق إلى النقد بالسلب لاسم معيَّن، لأنه فوق النقد؟
أجابت الصحافية: «نعم. هنالك مَن نعتبرهم رموزاً فنية لا يجب أن يتم التعامل معها بالنقد السلبي». وحددت أسماء فنية لبنانية، مثل وديع الصافي والفنانة الكبيرة فيروز، وذكرت أسماء خليجية منهم الفنان محمد عبده والفنان عبدالله الرويشد، وتحدثت عن أسماء تنتقدها إيجاباً كالنجم ماجد المهندس. وبصراحة، أعجبني السؤال، ولم تصدمني الإجابة التي تكشف عن معضلة حقيقية يمكن التعرف إليها، وبسهولة، من خلال ما يكتب من نقد في وسائل الإعلام المقروءة المختلفة. وقد سبق للإعلامية نضال الأحمدية أن أجابت عن سؤال توجهت به لميس الحديدي في برنامج «فيش وتشبيه»، عن سبب هجومها على عمرو دياب، فأجابت بأنها ترد على معاملته لصحافيين من «الجرس»، وهي بذلك أعلنت أن الموضوعية ليس لها مكان، ولكن المشاعر هي التي توجه سَلاطَة القلم ومداده السلبي نحو أيٍّ من الأسماء الفنية.

وإلى جانب تلك الأزمة التي نعيشها في الوطن العربي، هنالك العلاقات الشخصية والشللية اللتان تحددان علاقة الفنانين بالنقد. وقد ذكر ميشيل قزي ذلك في أحد أسئلته للصحافية، حيث قال إنّ هناك فنانين محسوبين على صحافي، وآخرين على آخر، وهكذا. وهو بذلك تطرَّق إلى واحد من المآزق الكبرى التي تقف حائلاً دون الوصول إلى حالة فكرية وثقافية وفنية، تُبنَى على النقد الهادف والتحليل المنطقي والنقد الإيجابي ذي البصيرة، الذي يعرف أين يتوجه ومَن يخدم.

المأزق أن الإعلام أصبح تابعاً، وأصبح يعاني إرث «الشللية المرهقة»، التي تجيِّر القلم لصاحب هنا وصديق هناك، «الشللية» التي تدفع أصحاب بعض الأقلام إلى أن يكونوا مجرد تابعين، يلهثون خلف مصلحتهم الخاصة جراء كسب رضا هذا الفنان أو ذاك، المصلحة المريضة التي تجعل الحقيقة في الخلف وتُغلق عليها الأبواب بالمتاريس، المصلحة التي تجعل بعض الصحافيين يبيعون الصدق مقابل مصلحة خاصة، ويبنون لهم إمبراطوريات جراء تبعيتهم بعض النجوم. تلك الأقلام صنعت من بعض الأسماء نجوماً، ومازالت تلمّع فيها ببريق زائف وتخدع القراء، وتُزيِّـف الواقع، وتجعل القارئ يتساءل عن الحقيقة: هل هي ما يقرأه أو ما تراه عيناه؟ أمثال أولئك الصحافيين لا يجرون وراء الحقيقة، لكنهم يستوردون الخبر طازجاً من فرن الفنان ومكتبه الإعلامي، مضافاً إليه مقادير ووصفات في مطبخ الفنان ومفهومه عن النجومية التي يبنيها بأخباره، وهي أخبار عارية من الصحة، مصدرها ضعيف، وهي غير قائمة على معايير ولا تستند إلى وثائق مؤكدة. بالأمس القريب، تَصدَّر خبر أنّ هيفاء وهبي تفوقت على أنجلينا جولي في مسابقة أجمل امرأة في العالم، فتسابقت وسائل الإعلام لنشر الخبر، ومصدره المكتب الإعلامي للفنانة.

ما هي المعايير؟ وما هي المسابقة؟ وكم نسبة المصوّتين؟ ومن أي جنسيات هم؟ وما مصداقية الموقع الإلكتروني الذي نظَّم المسابقة؟ ومتى أُعلنت النتائج؟ ومَن هم المصوّتون؟ لا شيء تستند إليه الصحافة سوى خبر يخرج من مكتب الفنانة أو الفنان، فتتلقّفه الصحافة النائمة، وتنشره من دون تعقيب ودون بحث، ودون نسب، أو إحصاءَات. وهي الحال في حصول الفنان على المركز الأول في مسابقات شبيهة. وبالأمس القريب تصدّرت «ملكة الأخبار» حليمة بولند الصحف والمجلات ووسائل الإعلام، ووصلت إلى أحلام المواطن العربي، تغزوها عنوة بخبر يصر على اقتحام مخادع النوم، معلناً إيّاها «ملكة جمال الإعلاميات العربيات»، مسابقة ولدت لأجلها، وماتت بعدها.

الذي يحدث أن هنالك استغفالاً ما بعده استغفال، يستغل الصحافة والإعلام، لتحسين صورة، ولتأطير صورة ولصناعة نجومية تظل الصحافة تنفخ في رمادها لتبقي على جذوتها المنطفئة. هنالك استغلال للمواطن العربي، ولثقته المطلقة بالكلمة المكتوبة، وهناك استغفال آخر له، حينما يصدّر الإعلام بعض الأسماء كرموز لا يجوز المساس بها. وكأن هنالك كمالاً في صُنع النجوم، وهم البشر العاديون، الذين تخضع تجربتهم الإنسانية للخطأ والوقوع فيه، فلا إنسان معصوماً من الخطأ الإنساني، وليس هنالك إنسان منزه عنه مهما بلغ به التفوق والإبداع، وفي أي مجال من المجالات، ولا أحد فوق النقد الإنساني أو النقد الفني الذي يخضع لمعايير ويقوم على حس التذوق الذي يختلف باختلاف الأفراد. وما أراه رائعاً قد يراه الآخرون عادياً جداً. ولا إجماع على أيٍّ من الفنون مهما اتفق النقاد على بعض النقاط، إلا أن الإبداع يخضع دائماً للتحليل والنقد بجميع أوجهه.

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: