الخارج عن القانون.. مطرود من جنة فرنسا

الفيلم نكأ جراح الاحتلال الفرنسي للجزائر لذلك تمت معاقبته
mbc.net

هل ظلمت لجنة التحكيم في مهرجان كان الفرنسي فيلم “الخارج عن القانون” للمخرج الجزائري “رشيد بوشارب” بعدم منحه أي جائزة، وخروجه من المهرجان خالي الوفاض؟

أقول بكل صدق: نعم؛ إذ من الواضح أن رئيس لجنة تحكيم مهرجان “كان” المخرج “تيم بيرتون” ربما تأثر بما أثير حول الفيلم من مظاهرات غاضبة أحاطت قصر المهرجان، الذي شهد عروض أفلامه بل قبل المهرجان بعشرة أيام؛ حيث لم تتوقف الاحتجاجات التي تساءلت كيف لمهرجان فرنسي أن يسهم في إنتاج فيلم يعادي فرنسا، ويتهمها بالتعذيب؟

لقد وضعت هذه الأحداث الجميع في مأزق حاد.. فلو تصورنا أن لجنة التحكيم اختارت فيلم “بو شارب” لإحدى جوائز المهرجان فربما أدى ذلك إلى غضب عارم يقوده اليمين الفرنسي!

والغريب في الأمر أن هذه اللجنة هي التي منحت الفيلم الفرنسي “آلهة وبشر” لكزافييه بوفوا جائزة اللجنة الكبرى، وهي جائزة تلي في الأهمية جائزة “السعفة الذهبية”.

وهذا الفيلم يتناول ذبح ستة من الرهبان الفرنسيين المسالمين من قبل الإرهاب، الذي أطل برأسه بقوة وعنف على الشقيقة الجزائر منذ مطلع التسعينيات، وهي واقعة حقيقية مثلما استند المخرج “بوشارب” في فيلمه “الخارج عن القانون” أيضا إلى الحقائق التاريخية الموثقة، وهي تلك المذبحة التي قام بها الاحتلال الفرنسي ضد المدنيين الجزائريين في أثناء قيامهم بمظاهرة سلمية استهدفت فقط المطالبة بالاستقلال.. فلم ترفع السلاح، ولم تلقِ حتى بحجر.. بل رفعت العلم الجزائري، لكن فرنسا واجهتها بوابل من النيران.

 

فرنسا تحارب الحقيقة

لست أدري لماذا صار البعض لا يتحمل الحقيقة، وإذا كانت فرنسا بلد الحريات في العالم -كما تدعي- تضيق بالحقائق.. فمن هو إذن الذي يصبح منوطاً به تحملها!

إن الفيلم الجزائري المحروم من الجائزة الفرنسية يحاول أن يقترب من فترة زمنية ملتهبة في حياة الجزائر، وهي تلك الواقعة بين عامي 1945 و1962، وتحديدا حتى حصول الجزائر على استقلالها في شهر يوليو/تموز من ذلك العام.

والحقيقة التي لا يجادل فيها أحد أن الجزائر دفعت ثمن استعادة السيادة الوطنية على أرضها مليونا ونصف المليون شهيد ممن اختلطت دماؤهم بثرى الوطن.

في الفيلم، ومع التيترات، نبدأ بمشهد يشير إلى عام 1925 عندما يأتي مندوب فرنسي يطلب من فلاح أن يغادر أرضه بحجة أنه لا يملك أي أوراق تثبت أحقيته في امتلاك هذه القطعة من الأرض، ثم ينتقل الفيلم إلى منتصف الخمسينيات مع الأسرة المكونة من الأم وأبنائها الثلاثة؛ “جميل ديبور” و”رشدي زيم” و”سامي توجالي”.

كل منهم يقف في طريق متناقض مع الآخر.. فأحدهم يلتحق بالجيش الفرنسي، والآخر يصبح قائدا في حركة الاستقلال الجزائري، والثالث يعمل في نواد مشبوهة وصالات رهان على الملاكمة.

لكن الثلاثة يتوحدون في نهاية الأمر أمام شيء واحد هو مقاومة الاستعمار لتحرير الأرض، وليس أمامهم طريق آخر سوى التضحية.. وتأتي النهاية في باريس عندما ينظر أحد قيادات الجيش الفرنسي إلى جثمان قائد حركة الاستقلال ويقول له “أنت الآن الفائز”!

 

مناضلون من أجل الحياة

الفيلم مفعم بملامح البطولة والفداء؛ إذ نرى فيه القوة القادرة على أن تقاوم الصلف الفرنسي، وهكذا قدّم “بوشارب” فيلما على مستوى “الأكشن” جيد جدا، فهو يحرك المجامين في إبداع، ويستطيع أن يمسك بإيقاع الفيلم اللاهث، وحتى اللحظات الأخيرة لا تملك سوى أن تحبس أنفاسك.

المخرج الجزائري قدم في فيلمه شخصياته التي تعيش الحياة، وبها ضعف إنساني لكنهم في لحظة فارقة يقدمون كل شيء من أجل استقلال الجزائر.

غير أن المخرج وقع في خطأ تاريخي في أثناء تنفيذ عقوبة الإعدام بالمقصلة عام 1955 لأحد المناضلين، عندما يغني الجزائريون النشيد الوطني “تحيا الجزائر”.. هذا النشيد لحنه “محمد فوزي” عام 1962 فكيف يقدمه مشيرا إلى الأحداث التي تمت قبل 7 سنوات؟

وبالطبع كان أمام المخرج فرص عدة في الاختيار، فالمؤكد أن مرحلة النضال الوطني ارتبطت بأغنيات أخرى.. إنه خطأ يبدو صغيرا لكن لأننا أمام فيلم وثيقة كنت أتمنى ألا نرى فيه مثل هذه الهنات التاريخية.

في عام 2006 عندما قدم “بوشارب” فيلمه “البلديون”، الذي يحمل عنوانا آخر هو “أيام المجد” عُرض هذا الفيلم في مهرجان “كان”، وحصل نجوم الفيلم الأربعة على جائزة أفضل تمثيل، ولقي الفيلم نفسه أيضا انتقادا فرنسيا، ويومها على خشبة مسرح “لوميير”؛ حيث أقيم حفل الختام غنى الفائزون الأربعة أغنية رددوها في الفيلم تحمل تحية للجزائر.

ولو تتبعت سينما “بو شارب” ستكتشف أنه دائم التوقف أمام هؤلاء المناضلين من أجل الحياة، وفيلمه مثلاً قبل الأخير “نهر لندن” ستجده أيضا يتناول حياة الإنسان الأسود المسلم في لندن، وكيف أنه صار محل شك باعتباره إرهابيا، إلا أنه ينتهي إلى أن “بو شارب” لا يرفض أبدا الآخر، ولكن فقط يحرص على الحرية ولهذا مثلاً سنجد في الفيلم أن عددا من المشاهد يتم خلالها اغتيال بعض الجزائريين الذين تواطئوا مع المستعمر، ومشاهد أخرى تؤكد أن هناك على الجانب الفرنسي من يرفض استخدام السلاح ضد المواطنين العزل، ومن يقف مع حق الجزائريين في الاستقلال.. ثم هل من الممكن أن ننسى أن الرئيس الفرنسي الأسبق “شارل ديجول” كان من دعاة المطالبة باستقلال الجزائر!

أتساءل في الختام.. لماذا غضب اليمين الفرنسي، ورفع أفراده الأعلام الفرنسية، بل وأحاطت الشرطة بقصر المهرجان خوفا من التداعيات، وتحفظت لجنة التحكيم في منح الفيلم الجزائري أي جائزة، وتم تشديد الإجراءات الأمنية على فيلم لا يخبر بأي شيء آخر سوى بحقيقة المذبحة التي يعرفها الفرنسيون جيدا بل وأقروا بها؟ فهل ننتظر أن يعتذروا -حقا- عن ارتكابها بعد فيلم “بو شارب”؟

  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: